عبد الملك الجويني
113
الشامل في أصول الدين
التماثل في وصف الوجود والاشتراك في الشيئية والحدوث ، فبم تنكرون على من يجوز اشتراك الشيئين في الأخص مع اختلافهما في سائر الأوصاف ؟ والذي يحقق ذلك أن التماثل في الأوصاف العامة معلل عند المعتزلة بالتماثل في الوصف الأخص ، والحكم المعلول لا يثبت دون علته ، فما بال الاشتراك في الشيئية والوجود والحدوث يثبت من غير علة توجب الاشتراك والتماثل . ومما يوضح فساد ما استروحوا إليه أن الجوهر الحادث لو كان يخالف القديم بجوهريته ، لما علم مخالفته له العالم بحدثه الذاهل عن تحيزه . ونحن نعلم أن العالم بحدث الجوهر ، الجاهل بتحيزه ، يضطر إلى العلم بمخالفة الحادث للقديم ، وهذا واضح في إفساد ما قالوه . ومما يوضح ذلك أن القديم إذا خالف الحادث في وصف القدم ، وكان وجه اقتضاء المخالفة أنه لا أول له ، فيكون وجه اقتضاء المخالفة من جهة الحادث أن له أولا ، فإن هذه المخالفة أخص بمخالفة القدم من الجوهرية . فاستبان بطلان ما قالوه من كل سبيل . والمسألة تتعلق بأحكام التماثل وسيأتي مستفيضا إن شاء اللّه . فهذا إيجاز القول في القديم ومعناه . [ حقيقة الحادث ] وأما الحادث فقد اختلفت عبارات الأئمة في ذكر حقيقته . فصار صائرون إلى أنه الذي كان بعد أن لم يكن . وذهب آخرون إلى أن الحادث ما لم يكن ثم كان . وقال آخرون هو الموجود الذي له أول . وقال آخرون هو المفتتح وجوده . والذي ارتضاه شيخنا من غير رغبة منه من العبارات التي قدمناها أن قال : الحادث هو المتأخر ، وربما انبسط القول : هو المتأخر بوجوده عن الأزلي . ورام باختيار هذه العبارة قطع تشغيبات لابن الراوندي ولأبرقلس « 1 » أوردها يحيى النحوي في نقضه كلام الدهرية ، فمما سأله ابن الراوندي على ما قدمناه من العبارات أن قال : قول القائل الحادث ما كان بعد أن لم يكن ، ترتيب شيء على شيء وتعقيبه به . والعدم عند معظم الإسلاميين نفي محض غير مستمر على صفة من صفات الإثبات ، فلا يتحقق ترتيب شيء عليه ، ولا فرق بين قول القائل : ما كان بعد أن لم يكن ، وبين قوله ما كان بعد لا شيء كان . وإن كان المتمسك بهذا الحد من الصائرين إلى أن المعدوم شيء ، فيوجه عليه سؤال أوضح مما تقدم . وذلك أنه يقال له : إذا كان الحادث شيئا قبل حدوثه ، ثم قيل فيه : كان
--> ( 1 ) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 322 .